الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
373
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ووصفه ب الْحَمِيدُ هنا نظير وصفه ب « الشكور » وفي قوله : إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [ التغابن : 17 ] ، فإن اسمه الْحَمِيدُ صالح لمعنى المحمود فيكون فعيلا بمعنى مفعول ، وصالح لمعنى كثير الحمد ، فيكون من أمثلة المبالغة لأن اللّه يثيب على فعل الخير ثوابا جزيلا ويثني على فاعله ثناء جميلا فكان بذلك كثير الحمد . وقد حمله على كلا المعنيين ابن برّجان الإشبيلي « 1 » في « شرحه لأسماء اللّه الحسنى » « 2 » ووافقه كلام ابن العربي في « أحكام القرآن » في سورة الأعراف ، وهو الحق . وقصره الغزالي في « المقصد الأسنى » على معنى « المحمود » . وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر فإن الله الغني الحميد بدون ضمير فصل ، وكذلك هو مرسوم في مصحف المدينة ومصحف الشام . وقرأه الباقون فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ بضمير فصل بعد اسم الجلالة وكذلك هو مرسوم في مصاحف مكة والبصرة والكوفة ، فهما روايتان متواترتان . والجملة مفيدة للقصر بدون ضمير فصل لأن تعريف المسند إليه والمسند من طرق القصر ، فالقراءة بضمير الفصل تفيد تأكيد القصر . [ 25 ] [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 25 ] لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 25 ) استئناف ابتدائي ناشئ عما تقدم من التحريض على الإنفاق في سبيل اللّه وعن ذكر الفتح وعن تذييل ذلك بقوله : وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [ الحديد : 24 ] ، وهو إعذار للمتولين من المنافقين ليتداركوا صلاحهم باتباع الرسول صلى اللّه عليه وسلم والتدبر في هدي القرآن وإنذار لهم إن يرعووا وينصاعوا إلى الحجة الساطعة بأنه يكون تقويم عوجهم بالسيوف القاطعة وهو ما صرح لهم به في قوله في سورة الأحزاب [ 60 ، 61 ] لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ
--> ( 1 ) هو أبو الحكم عبد السلام بن عبد الرحمن الإشبيلي المتوفي سنة 536 ه ، وبرجان بموحدة في أوله مفتوحة ثم راء مشددة مفتوحة . ( 2 ) هو شرح موسع ينحو الطرائق الصوفية ، لم يذكره في « كشف الظنون » ، أوله « الحمد لله الذي باسمه تفتتح المطالب ، ذكر فيه مائة واثنين وثلاثين اسما مستخرجة من ألفاظ القرآن ، مخطوط نادر توجد منه نسخة بالمكتبة العاشورية بتونس نسخت سنة 1021 ه .